أبي حيان الأندلسي

154

البحر المحيط في التفسير

وتركوا القتال ، فكان لهم في ذلك حياة ، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل . وقيل : حياة لغير القاتل ، لأنه لا يقتل غير خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية . وقيل : حياة للقاتل . وقيل : حياة لارتداع من يهم به في الآخرة إذ استوفى منه القصاص في الدنيا فإنه في الآخرة لا يقتص منه ، وإن لم يقتص اقتص منه في الآخرة . فلا تحصل له تلك الحياة التي حصلت لمن اقتص منه . وقرأ أبو الجوزاء ، أوس بن عبد اللّه الربعي : ولكم في القصص ، أي : فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص ، وقيل : القصص : القرآن ، أي : لكم في القرآن حياة القلوب ، كقوله : رُوحاً مِنْ أَمْرِنا « 1 » وكقوله : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ « 2 » . وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون مصدرا كالقصاص ، أي : أنه إذا قص أثر القاتل قصصا قتل كما قتل . وقال الزمخشري : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ كلام فصيح لما فيه من الغرابة ، وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة ، وقد جعل مكانا وظرفا للحياة ، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف ، القصاص ، وتنكير : الحياة ، لأن المعنى : ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة ، أو نوع من الحياة ، وهو الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل . لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل ، انتهى كلامه . وقالت العرب فيما يقرب من هذا المعنى : القتل أوقى للقتل ، وقالوا : أنفى للقتل ، وقالوا : أكف للقتل . وذكر العلماء تفاوت ما بين الكلامين من البلاغة من وجوه . أحدها : أن ظاهر قول العرب يقتضي كون وجود الشيء سببا لانتفاء نفسه ، وهو محال . الثاني : تكرير لفظ القتل في جملة واحدة . الثالث : الاقتصار على أن القتل هو أنفى للقتل . الرابع : أن القتل ظلما هو قتل ، ولا يكون نافيا للقتل . وقد اندرج في قولهم : القتل أنفى للقتل ، والآية المكرمة بخلاف ذلك . أما في الوجه الأول : ففيه أن نوعا من القتل وهو القصاص سبب لنوع من أنواع

--> ( 1 ) سورة الشورى : 42 / 52 . ( 2 ) سورة الأنعام : 6 / 122 .